الفيض الكاشاني
102
الكلمات المكنونة ( طبع كنگره فيض )
فمنه ما يتوقّف إدراكه على القوى الدماغيّة ويسمّى بالخيال المتّصل ، ومنه ما لا يتوقّف على ذلك ويسمّى بالخيال المنفصل . وبهذا العالم وخاصيّته يتجسّد الأرواح في مظاهرها المثاليّة المشار إليها بقوله سبحانه : « فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » « 1 » . وبقوله عزّ وجلّ حكاية عن السامري : « فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ » « 2 » ، يعني به جبرئيل إذ كان راكباً على فرس . وبما ورد أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان يرى جبرئيل عليه السلام في صورة دحية الكلبي ، وأنّه كان يسمع منه كلاماً مقروءاً في كسوة الألفاظ والحروف . وإلى هذا العالم يترقّى المتروّحون في معارجهم الروحانيّة الحاصلة بالانسلاخ من هذه الصور الطبيعيّة العنصريّة واكتساء أرواحهم المظاهر الروحانيّة . وفيه تتشكّل النفوس الكاملة بصورهم المحسوسة في مكان آخر غير مكانهم الذي كانوا فيه ، أو تتشكّل بأشكال غير أشكالهم المحسوسة وهم في دار الدنيا ، ويظهرون لمن يريدون الظهور له وبعد انتقالهم إلى الآخرة أيضاً لازدياد تلك القوّة بارتفاع المانع البدني . وبالجملة به وفيه تجسّد الأرواح وتروّح الأجساد وتشخّص الأخلاق والأعمال وظهور المعاني بالصور المناسبة لها ، بل ظهور الأشباح في المرايا وسائر الجواهر الصقيلة والماء الصافي أيضاً ؛ فإنّها كلّها من هذا العالم ، بل وفيه يرى ما يرى في الخيال من الصور في منام كانت أو يقظة ؛ فإنّها متّصلة بهذا العالم مستنيرة منه كالكوى والشبابيك التي يدخل منها الضوء في البيت ، فهو عالم وسيع يسع ما فوقه من المجرّدات بصورها وما تحته من الجسمانيّات بصورها . وهو واسطة العقد ، إليه تعرج الحواسّ ، وإليه تنزل المعاني . وهو لا يبرح من موطنه ، تجبى إليه ثمرات كلّ شيء ، وبه يصحّ ما ورد في أخبار معراج النبي من رؤيته الملائكة والأنبياء مشاهدة ، وفيه حضور الأئمّة المعصومين عليهم السلام عند احتضار الميّت كما ورد في أخبار كثيرة « 3 » ، وفيه سؤال القبر ونعيمه
--> ( 1 ) - مريم : 17 . ( 2 ) - طه : 96 . ( 3 ) - عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن ابن فضّال ، عن علي بن عقبة ، عن أبيه قال : قال لي أبو عبداللَّه عليه السلام : يا عقبة لا يقبل اللَّه من العباد يوم القيامة إلّاهذا الأمر الذي أنتم عليه ، وما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقرّ به عينه إلّاأن تبلغ نفسه إلى هذه ، ثمّ أهوى بيده إلى الوريد ، ثمّ اتكأ وكان معي المعلى ، فغمزني أن أساله فقلت : يا ابن رسول اللَّه ، فإذا بلغت نفسه هذه أي شيء يرى ؟ فقلت له بضع عشرة مرّة : أي شيء ؟ فقال في كلّها : يرى ولا يزيد عليها . ثمّ جلس في آخرها فقال : يا عقبة . فقلت : لبيك وسعديك . فقال : أبيت إلّاأن تعلم ؟ فقلت : نعم يا ابن رسول اللَّه إنّما ديني مع دينك ، فإذا ذهب ديني كان ذلك ، كيف لي بك يا ابن رسول اللَّه كلّ ساعة وبكيت فرق لي ؟ فقال : يراهما واللَّه . فقلت : بأبي وأمّي من هما ؟ قال : ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام يا عقبة ، لن تموت نفس مؤمنة أبداً حتّى تراهما . قلت : فإذا نظر إليهما المؤمن أيرجع إلى الدنيا . فقال : لا ، يمضي أمامه إذا نظر إليهما مضى أمامه . فقلت له : يقولان شيئاً ؟ قال : نعم ، يدخلان جميعاً على المؤمن ، فيجلس رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عند رأسه وعلي عليه السلام عند رجليه ، فيكب عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فيقول : يا ولي اللَّه أبشر ، أنا رسول اللَّه ، إنّي خير لك ممّا تركت من الدنيا . ثمّ ينهض رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فيقوم علي عليه السلام حتّى يكب عليه ، فيقول : يا ولي اللَّه أبشر ، أنا علي بن أبي طالب الذي كنت تحبّه ، أما لأنفعنّك . . . . [ الكافي ، ج 3 ، ص 129 ، ح 1 .